You are here

ازدواجية المعايير عند بعض المثقفين العرب: الغزو الأمريكي للعراق وغزو الناتو لليبيا

اتخذ معظم المثقفون العرب موقفا سلبيا من مساندة العديد من أطراف المعارضة العراقية للغزو الأمريكي للعراق من أجل إسقاط نظام صدام حسين واتهموهم بالخيانة وبخدمة مصالح الإستعمار والصهيونية. وغالى بعض المنتقدين لمواقف المعارضة العراقية في هجومهم إلى حد اتهامهم طائفة الشيعة في العراق بأكملها بالعمل في خدمة الغرب وإسرائيل. وكان رد أطراف المعارضة العراقية التي طالبت بالتدخل الغربي لإسقاط النظام المستبدّ بأن التدخل العسكري الغربي هو وحده القادر على تخليص الشعب العراقي الذي عانى عقودا من الظلم والقهر على أيدي نظام صدام حسين من محنته وإعطائه فرصة للعيش بحرية وكرامة. لكن رد المعارضة العراقية هذا لم يلق قبولا لدى أكثر المثقفون العرب، إذ ظل معظمهم يسلط سهامه عبر وسائل الإعلام المختلفة صوب قيادات المعارضة العراقية وكوادرها.

أما بالنسبة للوضع الليبي، فإن موقف منتقدوا التدخل الأمريكي والغربي في العراق مختلف تماما. فمعظم المثقفون العرب برروا القصف الجوي لطائرات الناتو لليبيا بأنه ضروري ومشروع من أجل حماية المدنيين من بطش القذافي وعصاباته. فازدواجية المعايير في مواقف المثقفين العرب في الوضع العراقي والوضع الليبي تشير إلى سيطرة النفس الطائفي على عقول الكثير من المثقفين العرب، رغم ادعاآتهم بال علمانية والتعددية والتنَوّر. وبسبب هذا النفس الطائفي استسهل المثقفون العرب توجيه النقد الحادّ للمعارضة العراقية لكون معظمها ينتمي إلى الطائفة الشيعية أو الأقلية الكردية. أما المعارضة الليبية فهي بمجملها من طائفة السنة، لهذا لم يتوقف معظم المثقفون العرب عند التشابه الهائل بين الحالتين العراقية والليبية. بل يمكن القول أن الوضع العراقي كان أكثر تعقيدا ومعاناة الشعب العراقي على أيدي نظام صدام حسين وصلت إلى عشرات أضعاف معاناة الشعب الليبي على أيدي نظام القذافي. والنفس الطائفي المسيطر على عقول العديد من المثقفين العرب هذا يفسر الحماس الهائل لديهم بمساندة الثورة في سوريا، حتى لو استدعى الأمر غزو الناتو لهذا البلد العربي، لكون أهم أركان النظام في سورية ينتمون إلى الطائفة العلوية، ومعظم أنصار المعارضة هم من أبناء الطائفة السنية. كما يفسر العقل الطائفي عند المثقفين العرب الصمت الشديد حول مجازر النظام الإستبدادي السني في البحرين ضد الأغلبية الشيعية، ومجازر النظام المستبد في السعودية ضد الحثثيين الشيعة في اليمن.

وأنا من الأقلية التي تعارض التدخل الأجنبي في كل الحالات وبكافّة أشكاله. فقد تحدثت بوضوح وصراحة ضد الغزو الأمريكي والغربي للعراق، كما أتحدث بنفس الوضوح والصراحة عن معارضتي لغزو الناتو لليبيا، ومعارضتي لأي تدخل أجنبي في سورية. فالحرية والكرامة لا تُنال إلا بتضحيات المطالبين بها. وعلى المثقفين العرب أن يكونوا أكثر مصداقية مع أنفسهم ومع الآخرين، وعليهم التخلص من مشاعرهم وانحيازاتهم الطائفية والعنصرية إن أرادوا المشاركة الفعالة في بناء المجتمع العربي التعددي والديمقراطي الذي يصبو إليه معظم المناضلين العرب.