You are here

انتبه المجتمع يرجع إلى الخلف.

انتبه المجتمع يرجع إلى الخلف:

بقلم رضا سيد

ما أسموه الربيع العربي هل هو حقا ربيعا؟ أم أنه يستحيل خريفا وكابوسا لن تخرج أمتنا منه؟

مع بداية ثورة الخامس والعشرين من يناير وحتى الحادي عشر من فبراير عاشت مصر وشعبها أياما لن ينساها كل مصري كان داخل مصر أو خارجها، كان الوطن كله لحمة واحدة، ذابت الفوارق، غابت الطائفية، لا حديث عن مسلم أو مسيحي، وحدها كلمة مصر أو الشعب ما كنا نسمعه في هذه الأيام القليلة.
ولأن هدفنا كان واحدا ولأن غايتنا كانت واحدة نجحت مصر في أولى خطواتها نحو الحرية وبالفعل خلعنا مبارك رغم الصعوبات.
كلمة الجيش والشعب إيد واحدة كانت تهز الجميع، كلمة شهيد كانت ممزوجة بطعم الوطن الذي ربما كان الكثيرون يتذوقونه لأول مرة.
بعد الأيام القليلة من خلع مبارك كانت مشاعر الثورة لا تزال بقوتها عند الجميع، المجلس العسكري أحل مجلسي الشعب والشورى، فرحنا وصفقنا للنصر المحقق،
ثم بيان بتعطيل الدستور رقصنا وطرنا من السعادة.
ثم بدأ الجميع في الالتفاف على الثورة كل يحاول أن يستفيد على طريقته، اعذروني لن أروي سلسلة ما حدث فالجميع يحفظ ما كان عن ظهر قلب.
لكن شيئا ما غاب عن الساحة، شيئا ما فكك تلك الأيدي المتشابكة، عادت الطائفية، والمصالح الشخصية، والرغبات السياسية والحزبية حتى ولو على حساب الوطن.
إنه الإخلاص لهدف واحد، سموه حرية أو مصر أو الوطن أو ما شئتم كلها مترادفات.
بدأت يا سادة مرحلة "استسهال التكفير، وإسهال التخوين" هذه العبارة لإبراهيم عيسى.
وبالتالي إخفاق للجميع، تفكك المجتمع وراح يرجع إلى الخلف وأسوأ، والكل يعمل لمصلحته ولا مبدأ عند أحد، وكل شيء مباح لدى كل مجموعة المهم أن تنجح في نهاية المطاف، استخدم الوسائل المشروعة وغير المشروعة لا يهم.
غير أن مجموعة من الثوار ما زالت متيقظة ولكنها هي الأخرى تخوض معارك شتى فهي مجموعات كافرة تارة وعميلة تارة أخرى ولديها أجندات مرة ثالثة.
حتى أردوجان الضيف الزائر لأيام قليلة والذي قال فقط إنه مستعد للمساعدة ولنقل تجربته إن أرادت مصر، أخذوا يسبونه ويشتمونه فهو علماني كافر، ولسنا بحاجة لاستيراد أبطال، ولدينا أبطالنا.
علم السعودية مرفوع في ميدان التحرير، والتماثيل سوف نغطيها بطبقة شمعية، ولا يجوز أن تتقلد المرأة والمسيحي المناصب الهامة، والعلمانيون كفرة، والمتصوفون مشركون لا نتزوج منهم، والإسلاميون يكفرون بعضهم، ثم يكفرون الأقباط، والأقباط بالطبع يردون، الأقباط قادمون، لا الأقباط متحدون.
ويا لأسماء الأحزاب الرائعة، الحرية والعدالة، المصريون الأحرار، وغيرها،
كلها أسماء لأشياء غائبة وكأنهم لا يعلمون أن ما يفعلونه سيؤدي لغياب هذه الأحلام المختصرة في أسماء أحزاب.
وما كان من المجلس العسكري إلا أن رجع قانون الطوارئ، ثم أمن الدولة باسم محكمة أمن الدولة طوارئ، والانتهاكات لحقوق المواطنين داخل أقسام الشرطة عادت بشراسة من جديد.
كل فئة منها تلعن أختها وتخونها وقوة الدفع تدفع الجميع للخلف.
عزيزي القارئ تلك الرسالة التحذيرية "انتبه السيارة ترجع إلى الخلف" عندما تسمعها فإنك تنتبه وتتصرف،
فماذا عن تلك الرسالة التي تحمل ما هو أخطر وأعمق، "انتبه المجتمع يرجع إلى الخلف".
وحدها دول الخليج والممالك ما زالت تسعى حتى تظل بمنأى عن فخ الربيع العربي، اليمن بدأ مرحلة خطيرة وصعبة، والفوضى في تونس ومصر، لبنان مشغول بانقساماته، وشعب فلسطين يكافح للحصول على الحق في الاعتراف به كدولة، دخل النيتو ليبيا كما دخل من ذي قبل إلى العراق، والأصوات والحناجر الخليجية باتت تناديه مرة ثالثة للتدخل في سوريا.
سوف يظن البعض أني أؤيد النظام السوري كلا بالتأكيد، ولكن سؤالا يطرح نفسه بإلحاح،
حاولنا التخلص من حكامنا العرب الطغاة فهل سنقع في براثن الاستعمار الخارجي والفوضى والفرقة الداخلية؟
ننادي النيتو وأمريكا فيأتون على عجل، وإسرائيل تبدو قلعة حصينة وسط هذا المجتمع الذي يرجع إلى الخلف.
متى سنخرج من مرحلة الهرطقة والسفسطة إلى مرحلة السعي نحو الحرية وانتزاعها؟
متى سنكف عن مسلم مؤمن ومسيحي كافر؟ والفريق الآخر بالتأكيد يقول العكس، متى نكف عن سؤال هل تعني العلمانية كفرا وإلحادا؟
متى سننفض عنا عنجهية الماضي وأننا أحسن شعوب الأرض وما شابه من المعاني؟
إن الأمم لا يقاس نجاحها بالكلمات ولا بالتصريحات العنترية الرنانة، وإنما يقاس نجاح الأمم بما تقدمه للعالم من حضارة.
قوة الدفع تدفع بقوة المجتمعات العربية نحو الخلف كلها من يسعى نحو الربيع المنشود يدفعه من لا يريد ذلك الربيع ويندفع معه إلى الخلف،
فهل سننتبه قبل فوات الأوان؟
أم سنتحول إلى ثورة برتقالية كبيرة؟
تذكروا دائما "إن أنصاف الثورات مقابر للشعوب".
رضا سيد
القاهرة 10/9/2011